عبد الشافى محمد عبد اللطيف

182

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

حق تقرير مصيرها ، كما جاء في مبادئ ويلسون الأربعة عشر الشهيرة - عرض الحائط ، وكانت بدعة الانتداب والحماية أسوأ من الاستعمار القديم ، فالشعوب التي وضعت تحت الانتداب والحماية لم تشعر أنها تخلصت من الاستعمار ، بل إن بعض الشعوب ضاع استقلالها وكل حقوقها . والمثل الصارخ على ذلك هو شعب فلسطين العربي ، فقد وضعت فلسطين العربية تحت الانتداب البريطاني ، وكانت مهمة بريطانيا التي حددها صك الانتداب - الذي أقرته عصبة الأمم - أن تدرب شعب فلسطين العربي على شؤون الحكم والسياسة والإدارة ، ثم ترد إليه بلده ليحكمها بنفسه ، فماذا حدث ؟ مارست بريطانيا أثناء انتدابها على فلسطين أبشع أنواع الاستعمار ، ولما آن لها لترحل سلمت فلسطين لعصابات الصهاينة الذين جمعتهم من شتات الأرض . هذا هو فهم أوروبا لمبادئ القانون الدولي العام . ثم دارت الأيام وأشعلت أوروبا نار الحرب العالمية الثانية ، وبعدها تشكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة . فماذا صنعت وماذا أضافت من حلول لمشاكل العالم ؟ « أليس روح التفريق وعدم المساواة لا يزال مسيطرا على عقول السادة الذين يتحكمون في مصير الإنسانية » « 1 » . إذا كانت هذه هي نظرة علماء أوروبا وسياستها إلى القانون الدولي العام وحقوق الشعوب ، فماذا ننتظر من شعوب أوروبا نفسها ؟ التي لا زالت روح الاستعلاء والغرور تسيطر على عقول أبنائها وتجعلهم ينظرون إلى الشعوب الآخرى خارج القارة الأوربية على أنها أقل منهم في كل شيء . ولذلك لا نبالغ إذا قلنا : إن كل من يريد أن يظفر بتشريع دولي ذي صبغة عالمية حقيقية وإنسانية ، يصون حقوق جميع الشعوب على قدم المساواة ، فلن يجد هذا التشريع خارج دائرة التشريع الإسلامي في مجال العلاقات الدولية . فالإسلام لا يعرف التفرقة بين الشعوب ، فليس هناك - من وجهة نظر الإسلام - شعوب متحضرة وأخرى غير متحضرة أو ناقصة التحضر ، بل جميع الناس سواسية كأسنان المشط كلهم لآدم وآدم من تراب ، وأكرمهم عند اللّه أتقاهم : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] . هذه هي نظرة الإسلام للأمم والشعوب ، ولم يحدثنا التاريخ أن الإسلام كان يعتبر أن شعبا من الشعوب التي دخلت في حكمة محمية من المحميات ، أو مستعمرة من المستعمرات ، أو أن القانون الإسلامي كان يفرق بين إنسان وإنسان ،

--> ( 1 ) المرجع السابق ( ص 141 ) .